همَّام
ما خطَّته حروفي من مشاهد
أول مرة قرأت فيها نص سحرني كانت تغريدة، لوهلة أولى ظننتها غير حقيقية من شدّة جمالها، كانت قصيرة للغاية، عندما كان تويتر حقيقي وحروفه لا تتجاوز 140 حرفاً؛ قبل أن يسطو عليه المال وتصبح حروفه بلا عدد.بعدها رشح أمامي أكثر من اقتباس من كتب بعينها ولم أتمالك نفسي وكنت أقول: "هل هذا الإبداع في الكتابة فعلاً موجود؟". نسيت تماماً أنّ شغفي هو الصورة، الألوان، وصناعة الأفلام، بما فيها من لحظات فاتنة.بدأت بشراء كتب بعينها وكانت عيني مسحورة على نحو غير متوقع بالمشهد، قبل عقلي بالمعرفة؛ من النايلون الشفاف الذي يلتف حول الكتاب، إلى غلاف الكتاب نفسه بألوانه وخطوطه وعناصره، وكيف يمكن أن يأسرك أن تشترِ الكتاب دون حتّى أن تعرف مضمونه. وقعت في غرام الكتب ومظهرها؛ في غرام الورق وملمَسه، في غرام الحبر وشكله على الورق، والحرية المطلقة، وأكرر، المطلقة، في كيفية قراءة الكتاب، متى شئت كيف شئت، في قراءة الجملة، في إعادتها، واختيار أن تطول هذه الصفحة قدرَ الإمكان لجمالها، ثم فجأة سألت نفسي: "همام، أين صارت الأفلام في حياتك؟".وعلى الفور ردّت عليّ نسختي الثّانية وقالت: "ألم تكن تنظر للمكتبة -التي لا يوجد فيها كتاب واحد أدبي ولا فلسفي ولا سيرة ذاتية، مع ذلك كنت مندهشاً من فكرة أن هنا علم لا ينضب لمَ لا أجرب أن أدخل؟". وهنا بدأ صراعاً فتّاكاً بين همام محب الكتب وهمام محب الأفلام.حتى عرفت من كثرة حواراتي مع نفسي ما الذي قادني للكتب وما الذي يميلني للأفلام. الكتب خيال. الأفلام هناك مخرج وممثل وممول حدّدوا لك مسبقاً أن هذا المشهد يجب أن يكون كذا مع أنه ليس بالضرورة. وهكذا فإنهم قد برمجوا ذاكرتك ومخيلتك وذوقك على هواهم ومقتضياتهم وأمنياتهم. أما الكتاب فهو خيال. للقارئ الحرية المطلقة في تمثّل هذا المشهد كما شاء. وهنا لعمري الدهشة.ما زلت لا أنكر الافلام ولا أبالغ في مدح الكتب فهي الأخرى بعضها تصل مرحلة تندم أنك دفعت فيه مالاً.في هذه اللحظات دخلْت بوابة القراءة الصحفية، التي كادت بدورها أن تنسف كلاهما معاً، فبعضها قد كُتب على نحو لا يمكن تصديق أنك قرأت للتو مادة بهذا البذخ. وتلامسك واقعك. ملكتُ الحسنيين، جمال القراءة وفهم الواقع بجدارة. وفي هذه اللحظة الفارقة، وقع بين يديّ كتاب إدوارد سعيد "الإستشراق"، (ترجمة محمد عناني)، وغيّر كلّ شيء في حياتي. ووجدتُ نفسي كاتباً.
قصائد شخصية قد لا تهمك
إذا كُنتِ من مُحبِّي الأفلام ستُدرِكين قيمة هذا القسم
أحلام كبيرة
همَّام فؤاد
تشعر للحظة أنك تتلصص على بيت عائلة سورية بسيطة، تريد أن تنال أكبر قسط من مزايا لحظة عبرتها بصورة غير متوقعة. التفاصيل التي تمر أمامك ما كانت لولا الدقة الشديدة في التعبير عن ذاتها. تُشبه أهلها ويشبهونها. لا تريد المُغادرة. لكن تغدرك التقنية بأن تُنهي دقائق العرض التي خدعتك.نجم هذا الشعور بالتلصص الجميل عن خيار هزّ الكاميرا، تقول في نفسك وما شأن المخرج بهذا التوجه البصري "الاستعراضي"؟ ليفاجأك بأن الكاميرا لا تهتز اعتباطاً. بل تتفاعل مع التفاعل الدرامي للشخصيات؛ يغضبون فترتجف يهدأون فتستقر. وإذا ما وصلت ذروة هربت لمكان آخر. تماماً كما البشر.بعد تزاحم الأحداث بعضها ببعض تبدأ اللغة السينمائية بالإعلان عن نفسها أكثر؛ يدخل “عُمر” غرفة الضيوف ليقابل الرّجل الذي قدّره ونصحه بضرورة الاهتمام بمواهبه؛ يُحدّثه مديره مأنباً إياه على قرار اتخذه، نتائجه تكرار للماضي وترسيخ لسلبياته؛ وهو في مواجهة صورة خالية من الأحلام لجد الشاب.

لا يكتفِ المخرج العبقري بحمل الكاميرا دون أن تقول صورته رأياً؛ يختار زواياه بدقة حتى يحبسك مع العائلة البسيطة، حتى إذا ما اعتقدت أن سوريا فقط هذا البيت وما حوله، ينقلك للعالم الآخر؛ عالم حبيبته المسيحية. يشبه الأمر عندما نكون في القرية وفجأة نسافر المدينة فنشعر بانبهار من الجديد.لا تكتف الكاميرا بلعب دور عينيك، بل تتجاوز ذلك لوضعيات لم تشهدها الكاميرا العربية قبلاً؛ الارتكاز على زاوية محددة وهيئة مدروسة يختلط فيهما شعورك فتعتقد للحظة أنك تقف/تجلس مهعم في المكان.

وقبل أن تبدأ رحلة معركة الشخصيات مع ظروف الحياة والمجابهة لأجل خياراتهم المأمولة بوجه الأقدار المحتومة، يُلمح لك المخرج أن صداماً حاداً سينشأ بين الأخوين في لحظة دخول والدهما بعد عودته منهزما من اجتماعه بأخيه الذي أفضى لقطيعة بينهما. يأبى الماضي أن يكرر نفسه.

في تفوق صادم على كل صناع الأفلام، يأخذ بزاوية الكاميرا فيُقسّمها بين "سامي" الذي لم يقبل بأقل من ثُلثي الصورة، و"سلمى" التي اكتفت ببضعة أعشار من صورة معكوسة في المرآة قذفها خلفه. وضعها على الهامش لتكن واحدة من نساء الأرض؛ فسامي لا تكفيه “إلا كل نساء الأرض”، كما قال عمر. في لحظة سينمائية مرموقة أبلغنا بها المخرج أنهما في طريقين متعاكسين.

فأصبحت على نقيض منه لا يجمعهما مسار. وأصبح يُحدّث الهواء الخاوِ، لا إنسانة. بقدر ما كانت لحظة سينمائية ممتعة، مدهشة. بقدر ما كانت مُحزنة للعالِم بلغة الصورة، لأن المخرج العبقري قد أفسد عليه نهاية العلاقة بين الطرفين قبل أن يشهد الطريق الدرامي لذلك.بنفس الإبهار الذي شعرتُه تجاه اللغة السينمائية البديعة لرامي حنا في مسلسل “زهرة النرجس”، عندما لجأ الناشط السياسي “مظفر سلامة” لبيت نرجس العنابي هارباً من قوات الأمن حينها، فأغلق الستارة لمَّا دخل الغرفة، ما يُقصد منه بصرياً بأن الرجل سيستقر هنا ويصبح هذا البيت ملجأ أبدياً له.

الصورة من مسلسل" زهرة النرجس" لرامي حنا

الصورة من مسلسل" زهرة النرجس" لرامي حنا

الصورة من مسلسل" زهرة النرجس" لرامي حنا
اكتشفت أن أستاذاً لرامي حنا كان قد سبقه لإبداع مماثل؛ عندما أدخل الشخصيات إلى البيت وهو مُظلم في حادثة هي الأولى منذ بدء العمل، ثم أنارته الزوجة؛ في حركة بصرية ذكية؛ إذ كانت ستكشف “وفاء” حقيقة حملها لزوجها "عُمر" رغم اتفاقهما بألَّا تفعل. ستبوح بما أخفت.




لا يطيب هنا للمخرج أن تكتف بصمته على عناصر الصورة ليثبت براعته، ليقول: أنا مختلف، لي رؤية. يصل بالعمل ذروته في هدوء تام للكاميرا والممثلة؛ لكن في علو تام للغة الجسد، الذي رسم بحركة قمة في الهدوء مشاعر تيه وانهزام قمة في الصخب.

لا اتفق مع كل خيارات المخرج بشكل مطلق، بل إن كثير من الخيارات الفنية التي اعتمدها لم ترق لي. عدا عن حدوث أخطاء قاتلة. أهمّها خطأ حاد في الاستمرارية في الحلقة 24. لم أستطع تجاوزه. كان خطير أن يخرج من صانع بحجمه. لكني أتفهم الظروف التي قد تكون أدت إليه.لا يحتاج مخرج ذكي إلى كثير من المبالغة والتصنع ليشعرنا أن شخص خبيث سيقتل خصوصية شخص بريء، فقط يحتاج زاوية معدة بإتقان شديد؛ ثم ليعود بالكاميرا قليلاً قليلاً، فتفهم أن إنساناً آخر يحتل المكان وسيُفزع الشخصية. ويُشعر المُشاهد بثقل اللحظة التي أوقعها “سامي” على قلب “سلمى”.

لم يعجب المُخرج العظيم أن يتوقف هنا؛ قرر أخيراً لملمة جروح “عُمر” لانعدام العدل، بأن أخرجه من الصورة وترك لنا صوته الجريح. ليصفع “سامي” بالحقيقة المُرّة بكيف أن أنانيته تُحتّم عليه أن يَخرج دون خسائر. غريب كيف يحتل “سامي” دائما الصورة لنفسه.
وزاد بالإبهار بأن دخلت “وفاء” في نهاية المشهد تماماً، خرج “سامي” دخلت “وفاء”، كأنما يُلمح لنا بأنها ستصير جزءًا من العائلة. فأشد ما يصنع العائلات خصوصية هو مشاكلها الداخلية. وهو جعلها بهذه اللحظة السينمائية البديعة جزءًا من ذلك.هنا؛ كانت أكثر اللحظات قُرباً إلى قلبي بعد المشهد السابق، المسافة الهائلة بين القاضي (رمز العدل) وبين الصفحية (رمز الحرية) تلخص حكاية دولة. بين حجمه على الشاشة وحجمها على الشاشة. وهو أمر لم يفت على الكاتبة العظيمة أيضاً؛ عرضت علينا محاكم ومحامين لتتجاوز مقص الرقيب بأن تُظهر سوريا دولة العدل والقضاء؛ ثم أنهت القضية برمتها في نهاية العمل بمكالمة هاتفية!

النمرة غلط
همَّام فؤاد
ارتبك ياسر عندما سمع صوت أقدام آتية نحوه، نهض سريعاً من بين الأحذية دون أن يجد ما كان يبحث عنه، لمّا وصلت أخته كان يصفف شعره بعد أن تبعثر نتيجة بحثه تحت الخزانة. وقرر أن يبرر مشهده المؤسف بأن يقول لها:
كنت بدوّر على الشبشب القديمردّت ميريان:
ما سألتك.يتجه لباب المنزل وعيناه لا تفارقان أسفل الخزانة.واصل طريقه بعيداً عن بيته في ظل ما يعيشه من توتر، ولم يسعفه عقله حتى يحيّد عن نفسه الشكوك إلّا أن يجالس بضعة حجارة خلف دار القرآن حتى يستطيع إجراء مكالمة هاتفية ينقذ نفسه فيها من الفخّ الذي وقع فيه. علّ وعسى.ما إن فتح الخط حتى يقول له من على السماعة:
ولك لسة مبارح معطيك وحدة، صرت مخلّصها؟يردّ عليه ياسر:
هسة سيبك من كثر الحكي، هذيك ضاعت، بدّي وحدة ثانية.يقابله من على السماعة وقد دخل ياسر في هياج كبير وبدأ يتلفّت في محيطه حتى يتأكد أن لا أحد قرب المكان، ثم ينظر إلى ساعة الهاتف يتأكد أن ليس من أذان قريباً فيتداعى الناس إليه وهم قادمين للصلاة، يخبره من على الهاتف:
ولك مش ألعاب أطفال هاي، روح دوّر على اللي ضاعت منك، إمشي انصرف.يغلق الهاتف في وجهه فيكرر ياسر الطلب دون أيّ ردّ.كان قد دفع ثمناً نفسياً باهظاً حتى تقع هذه الموادّ بين يديه، والآن ببساطة لا يجدها؛ ولا يستطيع الإيغال في البحث في المنزل في ظلّ وجود أهله، ليس فقط بدافع الخوف بل لأنه يعلم الآثار الكارثية المترتبة على أسرته في حال عرف والده بالأمر.خرج من جحره خلف دار القرآن وذهب باتجاه الشارع الرئيسي دون وعي في نفسه أين هو بالضبط الآن من الكرة الأرضية.بدا عليه الغضب. كان ينظر له رجل كبير في السن وهو متجه نحو البلدية، ولأن الشيطان قد تمكن من التفاصيل ولا حدود الآن، فصرخ به ياسر:
واحد معصّب شو دخل إمك إنتَ؟ابتسم له على مضض متجاهلاً بذائة لسانه فاستطرد ياسر:
تعال خذلك كفّ؛ والله غير تيجي وتخذلك كفّ، شو هالناس الزبالة هاي؟تراكَم الناس في محيط البلدية على أمل إيقاف المسألة قبل تطورها.بما أنه في قبلان المشاكل لا تُحلّ جذرياً، بل يتم تنويمها بهدف التخلّص من اللحظة الراهنة لإزالة الحمل الآني، دون اهتمام لمَا يمكن أن يترتّب على ذلك في المستقبل، بوعي أو دون وعي. فالطبيعي الآن أن يتم تجاوز المشكلة (ظاهرياً).سارع أحد الرجال إليه ونهره:
عيب عليك، الزلمة قدّ أبوكردّ عليه ياسر:
تلحس **** إنتِ وياه.تسارع الناس حولهم، وبدأت تتفاقم المشكلة. بما يحتمل أن تتجه لحلّ جذري.لكن، رنّ هاتف ياسر، وللمفارقة، الذي على الهاتف هو نفسه بائع "السعادة".ابتسامة ياسر تمددت من أذنه اليُمنى إلى أذنه اليُسرى ولا يصدّق أن المتصل قد عاد إليه. قبّل رأس الرجل الذي أساء له للتو واعتذر منه وذهب.أحد معارفه علم عبر اتصال من طرف ثالث، أن صديقهم غارق في الوضع المتعارف عليه بينهم، لمّا لمَح المشكلة وهو مارّ.تتبعه صديقه بصمت، دون أن يلمَحه، فقد استوعب الحكاية كاملة من معرفته به.الهاتف على أُذن ياسر وهو متمركز عند البيت القديم القريب من مستوطنة "رحاليم" والصوت في الهاتف من الشاب:
شوف، بس عشان جيتني عن طريق مجدي رح أمشّيلك إياها هالمرّة، وأبيعك قطعة ثانية، رغم إنك ضيعت الأولى، هذا الصنف مش كلّ يوم بنلاقيه، إعرف وين تخبّيها ودوّر على الأولى.خلفه المستوطنة، وأمامه بلدة لم يستطع أهلها استيعاب تعقيدات الإنسان، على يساره جبل من السيارات التالفة التي استُبدلت بفراغ يُفترض أنه مجرى حياة الإنسان، على يمينه بيت قديم لا يستغلّه أحد ليروي حكاية الوطن من البداية. وهو مركز لكلّ هذا التّيه.بنى ياسر فرضية حاجته للمخدرات بناءاً على حادثة وقعت مع صاحبه راجي، كان في حالة فرح شديد؛ اقترب منه ياسر وحاول تهدئته من فرحه ليخبره بمصيبة حلّت بسيارته وهي بجانب الشارع، لكن راجي لم يقبل أن يخرج من نشوة السعادة الآنية التي هو فيها، فأخبره ياسر بكلّ الأحوال:
سيارتك ضربها شب مسرع واتكسّرت، صندوق البنزين انكب جميعه، وواحد من اللي كانوا موجودين رمى تالي سيجارته فولّعت في السيارة جميعها.استغرب ياسر أن ضحكة راجي استمرّت بل وقال:
الله بعوّض أخوي.وياسر، القادم من أسرة شبه مفككة، ويريد بأيّ طريقة أن يتخلّص من الألم النفسي الذي يستحوذ عليه بصراخ والده المتكرر على والدته، وجد في المخدرات مخرجاً.لا يوجد أيّ سبب يستدعي السيارات التي على مدخل البلدة أن تتحلّى بالهدوء غير حاجتها للإنحراف بهدف الدخول أو الخروج، ليس أي سبب آخر، ظاهر أو غير ظاهر، وفي هذه اللحظات، رغم ما يبدو على ياسر من وضع غير معتاد؛ متصلب بين هذه هذه السيارات في مساريّ ذهاب وإياب، كأنه تمثال؛ لم يعد يميّز بين السيارات المتحركة، والأخرى، الهالكة للبيع كقطع، الحياة تحولت عنده لضباب شديد في محيطه الموازي. لم يفكر أحد من المارة بالمبادرة لفهم وضعه؛ أمّا هو، فكل ما كان يفكر به، من أين يأتِ بالمال الآن؟ المبلغ ليس عاديّ والمبلغ الأول أقنع والده أنه ثمن بنطال أصلي سيخدمه 5 سنوات دون يصيبه خدش حتى.بقيت الفكرة الأخيرة.لديه طريقة في إغلاق الباب، عندما يدخل على أُمّه، تعرف من خلالها أنه في أزمة عصبية شديدة، وتُفضّل التجاوب معه بدلاً من مواجهته حتى تقلل نسبة الإرتباك في البيت لأن العلاقات ليست على أفضل حال.يدخل عليها ويغلق الباب بهدوء شديد؛ باب غرفة أُمّه وأبيه يحتك بنقطة دهان سقطت يوماً على البلاط ولا تقبل الذهاب أبداً، وكلّما أُغلق أو فُتح الباب يُخرج احتكاكها بالباب صوتاً يسمعه أهل البيت كلّهم. عندما يدخل عليها ياسر، يهتم بأن يغلق الباب بهدوء شديد، حتى لا يصدر الصوت، فلا يعرف أحد أفراد المنزل أنه في الغرفة مع أُمّه. لأن النتيجة حينها معروفة، عاطفة الأم ستغلب المنطق.باشرته أُمّه بالحديث سريعاً:
شو بدّك؟ مش فاضيتلك، إنتَ شايف كديش عليّ شغل؛ أو بالأصح، كديش بدك؟ مش شو بدك.يخبرها بالمبلغ فتتشنج عروقها. ثمّ تسأله:
مش هاظا هو نفسه المبلغ اللي أخذته من أبوك من فترة؟يتلفّت حول نفسه، ثمّ هي تنظر إلى بنطاله ولا تراه يرتديه. تسأله:
شو شريت في المصاري ولا؟يقاطعها:
يمّا هسة مش وقتهتقوم بحركة في ساقيها وجسمها كدلالة على قلّة الحيلة. ثمّ تطلب منه أن يخرج حتى لا يعلم من أين ستُخرج المال.صديقه، الذي تكفّل بتتبعه، جالس على جانب السور من جهته غير المرئية وينظر لشجرة كان ياسر كلّما جلسا عندها تحدث كم يشتاق بأن يكبر حتى يصبح مقاولاً عظيماً يغيّر شكل البلدة وتفاصيلها. ولأن صديقه عرف تلقائياً أن ضحيته القادمة ستكون أمّه، للحصول على المال؛ وهو بطبعه يتجنّب أن يراه ياسر قربه في هذه المواضع، لأن والد ياسر أخبره مرّة: “دير بالك على الولد هذا فالت”. ومنذ ذلك الحين ياسر ينظر لصديقه بعين الجاسوس لوالده ولا يطمئن لوجوده في محيطه. ويتحول كلّما رأه لممثل بارع في الأخلاق الحميدة.يسمع صديقه صوت طرق الباب فيفهم أنه خرج من البيت، يتلصّص النظر من خلف السور القصير ويرى ياسر وهو يُخبّأ المال في جيبه، يرن هاتف ياسر، يفتحه، يستمع للتاجر، فيرد عليه:
والله ماني عارف ليش تختار عند الملعب والساعة 2 الظهر بس يلّا زي ما بدك.تزخر البلدان المتخلّفة، التي لا قانون فيها يطبّق ولا حكومة تدقّق ولا مجتمع يتتبع، بأشكال من الفوضى التي تفتح الباب للدخول لمنطقة رمادية تقود لمناطق شديدة القتامة، ثم من هاوية إلى هاوية.وعلى هذا، قرر تاجر المخدرات هنا استغلال إحدى هذه الثغرات مثل الباعة المتجولين، الذي يبيعون العطور وغيرها، ليقدّم منتجه على هذه الهيئة بهدوء شديد ودون ضجيج.أتمّ ياسر ارتداء ملابس التمويه، ومن بينها نظارة شمسية كبيرة العدسات، وطاقية صيفية تحجب الشمس ليغطي أكبر قد من وجهه، على أن لا أحد في البلدة يعلم أن هذا البنطال بنطاله وهذا الحذاء حذاءه، تقابَل مع التاجر عند الملعب واستلم ما ظنّ أنه نجاته من ضيق الحياة وذهب.كان صديقه ينتظر، تجاوز ياسر مركز الشرطة وأكمل طريقه متجهاً إلى البلدة، ناداه صديقه وهو يقف عند عيادة البلدة مقابل مدرسة الذكور الأساسية، ولأن صديقه يعلم أن تجار المخدرات يختزنون أكبر قدر من المعلومات عن حالة الزبون لضمان الدفع، حتى إذا لم يدفع يهدّدوه بأفراد عائلته؛ فحرص على أن يتأكد ذلك اليوم على الأقل أن أخته ميريان قد ذهبت لجامعتها ثم ذهب هو للمكان؛ وكونه ناجٍ سابق من هذه المأساة لا يريد أن يعايره التاجر إذا حاول التنظير على ياسر. فوقف بعيداً. انتبه له ياسر وذهب إليه بالأحضان.وضع صديقه ذراعه على كتفه وطلب منه أن يصاحبه مشوار، وياسر، بما أن القطعة معه الآن وافق، وصلوا حارة الجدول من طريق مدرسة البنات، جلسوا عند المعصرة القديمة؛ كان الشارع خالٍ تماماً، كأن القدر رتّب لهذا اللقاء، وصديقه يرتّب كلماته بداخل نفسه حتى يتأكد أن كلّ كلمة ستصبّ في مكانها في صدر ياسر ويخرج مما هو فيه، فجأة صوت قنبلة يخترق هذا الصمت. حطت القنبلة الصوتية على بُعد 10 أمتار منهم. لسبب ما لا يعلماه، بقي كلاهما على نفس الهدوء ولم يحرّكا ساكناً.هذه المرّة كان الظرف أقوى من كلاهما واضطرا للخروج من المكان؛ غاز مسيل للدموع قد انهمر على المكان ولم يستطيعا البقاء.ذهب صديقه ليعلم مجريات الأمور؛ وجد سيارة لجيش للاحتلال عند مكتب التكسي، عند الدوّار الأول، وتحتجز كلّ من تراه هناك، حجزوه هو الآخر، أمّا ياسر اتجه لأحد البيوت القديمة المنزوية عن البلدة التي يرتادها الشباب لتناول هذه الأصناف.لمح صديقه فتاة بمواصفات ميريان تذهب من شارع من مدرسة البنات لوحدها لكن لم يتكأد إن كانت هي أم لا.بدأت الهمسات في البلدة تتثاقل عن شيء مريب يحدث.بعينان مندهشتان، لا تصدقان ما تراه، حدّق ياسر كثيراً في الشيء الذي امتلكه أخيراً، يعدّ نفسه لتناوله وقد غاب تماماً عن الوعي حتى قبل أن يصل أنفه.رتّب أمر الغرفة على عجل، والضجيج في دماغه لا يهدأ، هذا نفس الصنف الذي تناوله راجي ولم يهتم لسيارته ولا لما أصابها. متلهّف للتذوق والدخول في الحالة. وهو ينسق الطاولة وينظفها من الطعام والشراب البشري المعتاد، بدأت أصوات تخرج من المكان، كانت الأصوات خفيفة وغير ظاهرة بعد، فيما يبدو أنها ما زالت بعيدة نسبيّاً. ولم يشغل نفسه أن يميّزها من شدّة اشتياقه أن يجرب هذا المستوى من المخدرات؛ جلس وأعدّ التراب الأبيض على الطاولة. بدأت بصمات الصوت تظهر أكثر واستشعر مصدر الصوت وأنه قادم من خلف الجدار، لم يهتم، شمّه، دفعة واحدة، وبكثافة شديدة.قليلاً قليلاً، اتّضح أكثر الصوت على مجرى أذنيه، وكان لفتاة تأنّ بشدّة. يظهر من طبيعة الصوت أنه عنت نفسي أكثر منه جسدي، وتصرخ:
ولَكْ روح، ولكُم روحوا عنّي، تحالوا على اليهود جايين تتحالوا على بنت.قد انتشر الخبر بالبلدة وعرفت أُم ياسر أن ابنتها لم تذهب للجامعة وهي تعلم عن ابنتها أنها جريئة وتتخذّ قرارات مفاجئة مهما كان شكلها المهم أن تنفّذ ما يجلب لها الراحة وأن تكون قررت لنفسها ولم يقرر لها أحد. هذا طابعها مُذ ولدت، وفي غالب الأحوال كانت تنجح.دخل الغروب وسيطر على أنحاء البلدة إياذناً بدخول الليل وما يصحبه من لون قاتم لا تتميز فيه الأشياء.تودّ إحدى النساء الجالسات بجانب أُم ياسر لو تمسك بكفها وتوقفها عن طقيق أصابعها فوق الهاتف من التوترة لكثرة ما كان الصوت مزعج ويعقّد من الأجواء ولا يهدئها، المرأة بالكاد تنجح في التخطيط لحياتها يوم بيوم، وكلّما مرّ يوم قالت في نفسها: “الحمد لله مرّ هذا اليوم بدون مصيبة”. فهي وجدت نفسها في حالة زوجية لا تُطاق واحتملتها بعد أن أخبرها الناس أنه بعد أن يأتيهم أولاد سيتغير كلّ شيء؛ أتاهم أولاد ولم يتغيّر شيء، واضّطرت حينها للبقاء لأجل الأولاد. ياسر وميريان، وكلاهما يكابدان الأيام ليخرجان من طفر الحياة الذي هما فيه.بالنسبة لياسر قد صار في كوكب آخر الآن من شدّة ما غلبه هواه واستنشق الآفة. اشتدّ صراخ الفتاة وهذه المرة دخل الألم الجسدي، وهي مسجّاة على أحجار ضخمة، وثلاثة شباب يتبادلون عليها الأدوار، وياسر في حالة ضحك هستيري. انتهى الثلاثة بعد أن سرقوا ما سرقوا من جسدها، والدماء تملأ جانب رأسها بسبب ارتطامه على حجر ضخم بعد أن حاولت مقاومة اغتصابهم لها ولم تنجح. ارتخى ياسر تماماً على الكنبة وابتسامة عمياء ترتسم على وجهه.كان الحاجز العسكري للاحتلال قد استبق سيارة الفورد التي تقلّ ميريان بثوان قبل أن تخرج من البلدة، وعلى هذا أخته لم تذهب للجامعة أصلاً، ظلّ الباص الأصفر ينتظر دون جدوى فاختار العودة للبلدة، وفي البلدة كانت هناك سيارات جيش أخرى تتأكد من كلّ المداخل ومن وسط البلدة، وكانت توقِف كلّ السيارات فأَوقفت السيارة التي كانت تقلّ ميريان؛ بعد رجاء وتدخل من رجال البلدة قَبِلَ الجيش ترك الفتيات والنساء والإبقاء على الرجال، ولأن ميريان قد فزعها منظر الجنود، قررت اتخاذ طريق فرعي لتجنب رؤيتهم؛ وطريقها الفرعي دلّ على آخر، حتى وجدت نفسها عند بيت الإدمان دون علم لها بهذا العالم أصلاً.في آخر الليل استفاق ياسر من غيبوبته؛ خرج من البيت وصعق بأُخته ملقاة على الأرض عارية تماماً وعليها دماء، تشنّج حتى كاد أن يموت. غطاها بملابسها الممزقة أصلاً، وحار في أمره، ساعة يرفعها لكن قوّته أكلها التراب الأبيض اللعين الذي تناوله، وساعة يفكر بالخروج وتركها لكن إحساس ما لا يستطيع تعريفه يمنعه. هو ليس بكامل وعيه لكن ذاكرة من طفولته تترتّب أمامه ولا يدرك تفاصيلها، كلّ ما يعرفه أنّ هذه أخته وتعرضت للاغتصاب وهي نفسها التي كانت تصرخ بجانبه، والظروف لا تساعد للخروج من هذا المأزق دون فضيحة. وعندما تدرّجت الذاكرة تذكر صديقه. فتح الهاتف فوجد الساعة الواحدة ليلاً. وهاتفه مليئ بالاتصالات من أهله يريدون معرفة أين ابنتهم. مرّر سجل المكالمات ورنّ على صديقه. لكنّ الهاتف مغلق. جلس بجانب أخته التي من رحمة الله عليه أنها مُغرقة في النوم. من شدّة الصدمة والألم. ظلّ على هذا الحال ساعة. صديقه يعرف بالمكان ويريد أن يأتِ له، لكن لا يستطيع أن يأتِ خوفاً من أن يصبح الحدث حديث الجميع، انتظر حتى التمّ الناس في مكان مغلق يتدارسون اختفاء الفتاة؛ واستعجل خطواته نحو المكان. استطاع بذكائه أن يُحضر بطانية معه، توقع ما حدث تماماً. وصل المكان فكان ياسر قد نام هو الآخر، حمل الفتاة في الكرسي الخلفي من السيارة داخل البطانية، ودخل ياسر بجانبه.كلّ قتامة الليل والإضاءة البائسة في بيتهم لم يتمكنان من إخفاء ملامح وجه أُم ياسر البائسة في هذا اليوم الذي واضح أنه ليس يومها أبداً.بعد أن أقلّهما في السيارة أخيراً، طلب رائد، (صديقه)، من ياسر أن يستخرج رقم والدته، وأن يتصل بها.من حسن حظه أنها كانت في الحمام وليس أمام الجمع المؤآزر للعائلة. ردّت:
يا حيوان إنتَ العصابة اللي خطفت بنتي؟ردّ رائد وأخبرها بكلام مقتضب:
خالتي أنا رائد، احكي للناس اللي عندك إنه البنت كاينة طول الوقت في دار سيدها القديمة راحت عليها عبين ما يروّحوا اليهود بس قررت تظل هناك لأنها اشتاقت للمكان وقررت تفصل تلفونها وهسة فتحته واتصلت، زبطيها بطريقتك، إنتي ذكية، أنا بحكيلك هيك عشان ما يشوفوها لمّا تدخل، بدّي اياهم يكونوا طالعين، في مشكلة كبيرة.تخرُج من الحمام، الفرحة على وجهها لا تتسع بلاد، كونها أخيراً عثرت على ابنتها، والأعصاب في دماغها لا تتوقف عن الإنقباض كيف ستبرّر طلبها من الناس الذين أتوا ليواسوها أن يخرجوا من بيتها! وصلت باب المعيشة وركنت كفّها إلى الحائط وقالت للنسوة وهي غائبة تماماً عن قدراتها الذاتية؛ ودون أن ترتّب الكلام مُسبقاً:
البنت اتصلت وبتقول إنها كانت في بيت سيدها المهجور، بس متحرجة منكم عشان هناك ما في حمام فعملتها على حالها ومستحية تشوفوها هيك، معلش تطلعوا هسة وبكرا بتشوفوها.لحسن حظّ العائلة أن والدهم في هذا اليوم أقنعه أحد معارفه بأن ينزل معه لإسرائيل ونجح في ذلك، وهو بطبيعة الحال ليس معه هاتف يتواصل به مع أحد لأنه يراه كمصدر إزعاج. فلم يكن على علم بشيء ممّ حدث، ومرّت المسألة دون فائض صياحه على عائلته، وإهانته لهم بمبرر ودون مبرر. فيكف أن تكون مسألة مثل هذه يراها أم المبررات.
(هو في الواقع لا يرى الهاتف مزعجاً، بل يكره أن يتعرف على شيء جديد، كما لا يطيق الصبر على الأشياء، بما في ذلك التعلم على التعامل مع التطبيقات، وعنده أن يقول للناس أنه مصدر إزعاج أفضل من أن يكشف ضعفه أمامهم ويطلب أن يتعلم، فاختار أن يدّعي أنه مصدر إزعاج)صباحاً.فوجئ ياسر باتصال من التاجر وهو ما زال على فراش النوم، فأسرع ليحدّثه في الخارج، فوجد أهله والأقارب كلّهم ينتظرون أن يصحى بعد أن سردت لهم ميريان ما حدث بالضبط. ألحّ عليهم أن يُجري المكالمة وينهي هذا الأمر ثم يفعلوا به ما شاؤوا.خرج إلى ساحة المنزل الخارجية، فتح الهاتف، وقال:
ألو.ردّ التاجر:
عجبك الصنف؟ردّ ياسر:
النمرة غلط.وأقفل الهاتف.يقاتل ساقه أن تدخل غرفة المعيشة عند البقية، خطوة للأمام وخطوة متردّدة، صارَ الثقل في ساقه كما لو أنها تختزن حديد لا عظام، لكنه في النهاية مضّطر للدخول، عندما دخل كان واضحاً أن أُخته قد طلبت شيء من العائلة والأقارب فاستكان الجميع كأن شيئاً لم يكن، عاد لغرفة المعيشة، وسط الجَمع، مجتمعين خلف التلفاز، وعلى الشاشة الحلقة الأخيرة من مسلسل “أسرار المدينة”. أشارت له أُمّه بإيماءة برأسها أن يجلس بجانب أخته، بدا الأمر كأنه فرض، جلس بجانب أخته، أصبحا خطّان متوازيان، أنزل يده اليسرى بحذر شديد نحو يدها اليمنى؛ شبك رسغه برسغها، وأصابعه بأصابعها، ورفع كفّ أُخته نحو وجهه وقبّل ظهر كفّها بشفيته، نزلت دمعة منه وسقطت على كفّها، ثم أنزل يدها مرّة أخرى، سمع صوت بكاء خافت يحترق، بقي جالساً بجانب أخته وفي نفسه رغبة لو تبتلعه الأرض الآن، مثّل أنه مستأنس بالمشاهدة. لكن أمعاءه في معركة محتدمة مع الوجود، ودماغه لا يهدأ على كلّ المستويات، وفي صدره جرح عميق على أغلب الظن أنه لن يزول.
لا تكذّب ما رشح لك من أحاسيس
ما صنعته من نصوص حتى الآن، أو أغلبه
يحلو لي التواصل
أفكار نتداولها معاً
أثر
همَّام فؤاد
تسير العجوز في طريقها المعتاد قاصدة منزلها وعلى غير العادة تنتبه للنسوة وتتوقف هي ويستوقفني أنا المشهد، أسرعْت بإخراج هاتفي والتصوير. بعد شهور توقّفت عند الصورة ووجدت اسقاطات سينمائية لحياة واقعية بمنتهى الدقة.هناك، في الأفق البعيد، مجتمع مكتظ، تتراكم فيه القصص، أما في الطبقة الأولى (الأقرب للناظر) عجوز، وبين الطرفين المرأة؛ لكنّ في هذا اجتزاء لصيرورة صبية وأحلامها. حتى صارت امرأة.يربي المجتمع الأنثى، فتكبر وتلد له أطفالاً. يكبر المولود ويصبح امرأة؛ تسند مجتمعاً بأكمله بمثابرتها وجهدها المنقطع النظير، ثم تصبح عجوزاً مرة أخرى. هذا ما نعرفه. غير أن للحكاية وجهة نظر فلسفية أخرى تتآمر فيها الصورة مع الأنثى لتظهر التفاصيل التي غابت عنّا، تتشكل ذروتها بكون رأس الختيارة مطابق تماماً لحوافّ البيوت، وكأنها إطاراً للمجتمع. حاضن لتفاصيله. لا يكون إلّا بها لا يحلو إلّا بوجودها.ولأن هذا المجتمع ما صار إلا بعد تعب. فتجتمع عناصر الصورة لتروي الحكاية من البداية.تتميز الصور الثابتة بغيرتها من المشهد السينمائي الحيوي فتستغل بأنها تثبُت على لحظة محددة ما قبلها وما بعدها ليسا بذات اللّذة. وبهذا تسحر الأعين وتكثّف المعنى ومعه الإحساس، وهي بدورها تتفوق على المشهد بأنها لا تبحث عن مكان بل المكان يأتِ إليها. وتزيد على ذلك تميزها بأنها تتعاون مع التضاريس لإضفاء الفلسفه التي يبحث عنها المخرج، فتشكّل قصة متكاملة تمر في وهلة واحدة ندركها ولا نفهمها. وحتى تعكس لنا كيف تقوم المرأة ببناء مجتمعاً قوياً كان أن احتوت الصورة على هبوط حاد بين المرحلتين، بين المجتمع والختيارة. في تآمر ثان للصورة مع الأنثى. وذلك باستغلالها طبيعة المكان لتنقل لنا بتشبيه بصري بليغ قسوة الشروط التي تنزل عنها المرأة أحياناً لتمر اللحظة بهدوء فيُبنى على هذه اللّحظة خطوات جديدة لمجتمع خال من المشاكل؛ فنتاج الانتقال من مرحلة (المجتمع) والوصول لهذه المرحلة من العمر (الختيارة)، يتحتم نزول هذا الإنحناء الحاد بغاية صعود الطريق نحو رأس الإرتفاع، إلى النقطة التي بها الحجة؛ وهو تعبير بصري بليغ باتجاهين، الأول قبولها النزول عن رغباتها لصناعة جيل، الثاني، لا يحدث هذا النزول إلا بتنازلها عن (الأنا)، ما يصنع بداخلها حالة من الخفة تجعل المرأة خالية من شيء إلّا وجه الله عز وجل؛ تذوب معها طموحاتها وآمالها الشخصية وتنحصر في نجاح واتزان عائلتها، وبهذا تكون هذه المرحلة (الحجة) باكورة لمسيرة وليست بلاءاً ولا (عجزاً) بل فخراً بمنجز. وعبوراً للحظات صعبة ما كان لغيرها إتقان هذا العبور.ما هو مؤلم وواقعي في آن أن مساحة المجتمع والحجة في الصورة متساويتين لكن مساحة المرأة صغيرة للغاية، وهو انعكاس مرئي بليغ لطبيعة الاهتمام الجَمعي تجاه الأنثى، فهي إما الصبية-الحبيبة أو الجدة. أمّا الأم-المرأة فهذا دورها التقليدي المعروفة به؛ ولا حاجة للتأكيد عليه. هي (تلقائياً) خُلقت لهذا الدور وهذا شيء (بديهي) تقوم به. وهذا أول كسر للقواعد تقوم به المرأة بأن أماتت قاعدة بأن تكون الذروة في المنتصف.حتى في ذروة عطاءها تسمع وحدها الضجيج أما نحن فنشاهد حياة تترتب لوحدها.تسمّرت الحجة في مكان وكأنها كانت تقصده مسبقاً، كأنها في جلسة تصوير، فتصاعدت الأحداث وبدت التفاصيل في المكان كلوحة رُسمت بعناية. الحجة التي تسيطر على الصورة، المجتمع في الخلفية الذي يتسارع دون اكتراث للمشاعر، فظهر العنصران بشكل يشبه فرجار رسم المرأة وتحركاتها.غير أن الصورة تآمرت هنا مرّة أخرى؛ فكانت نسبة الخضار المتوهّج، عند النّسوة، وكأن فترة التعب هذه هي ما يحقق لها نصيب الآخرة المثالي. هي العطاء الحقيقي. “دائم الخضرة يا قلبي”. هي ما سيتوّجها إطاراً للمجتمع وضابطاً له. ما أكثر ما تتآمر الصور مع الأنثى.الحجة بدورها لا نرى وجهاً لها، والنسوة بطبيعة الحال قد تم التشويش على وجههما لاعتبارات اجتماعية، وهنا تكتمل الحكاية بتضحية المرأة بأن تكون جندياً مجهولاً يصعد على أكتافه المجتمع دون مكافئة تُذكر.تنظر الختيارة للنسوة اللائي سيصبحن هي وقد تخففت هي من الدور. وهي في مواجهة مع المجتمع الذي صنعته. كأم بجهدها وكختيارة بظلّها، وتستعد للمغادرة.بعد أن تغادر ستكون تركت المساحة للنسوة ليصبحن هن الجدات، ويكررن التجربة وإن بطرق مختلفة وأساليب جديدة، لكن الحقيقة الغائبة عن المشهد أن الصورة لم تحتوي ذكور، فهم هناك في الخلفية لا حاجة لمعرفتهم لأن أمهاتهم هن مرآتهم. وما كانوا لولا صنيعهن، فقررت الصورة الانتصار لهن وتكريمهن. وهنا تكون الصورة قد كذّبت أهم مقولة عرفها التاريخ: "المرأة نصف المجتمع".. بل المرأة كل المجتمع. نصفه بجسدها ونصفه الآخر بتضحياتها، وبهذا تكون الأنثى كسرت القاعدة الثانية.
هامش

همَّام فؤاد
هامش: هذه الصورة من الصور القليلة التي تُخبر بأن في البلد مواهب مدفونة لا يتم الاستثمار فيها وتشجيعها بل يتم تركها للعدم. صحيح بأن صاحب الصورة لم يستغل اللحظة الصحيحة ليتخير التحكم المناسب بحدود الصورة وثبات الكاميرا. ما استدعى بعض التعديلات مني. لكن على الأقل فعل وصور ونشر. بالمناسبة: الصورة تستحق أن توضع في معرض.القصة:بداية الطريق. الثلث الأول من الصورة. (في الأسفل):يبدأ الطريق إلى الله بشكل يسير تتخله حالة من الهدوء والسلام، يتقدم العبد فيها قليلاً قليلاً ويشعر أنه لوحده في هذا الشعور وكأنما الله له وحده من جمال الحالة (ندرة البيوت وتفرقها).منتصف الطريق. الثلث الثاني من الصورة. (في الوسط):يستمر العبد ومن زهوة الأحلام والقرب من الله تبدأ تتفتح في روحه طاقات عجيبة (البيت على اليمين ذو البرندات الكبير) يستمر وتنشرح روحه فيرزقه الله بهجة غير عادية (البيت الأصفر على اليمين وتميزه).نهاية الطريق. الثلث الثالث والأخير. (بالقرب من المسجد):يقرر الله ابتلاء عباده المؤمنين واختبار إيمانهم بظروف قاهرة (انقطاع الطريق فجأة - مصير مجهول) هل سيصبر هذا العبد ويسلّم أمره كلّه لله مهما كان المستقبل أم سيعود منكسراً للأسفل؛ هنا تتبدى جلالة الإسلام بكونه دين جماعة وأُلفة وليس دين الفرد الواحد. (عدد البيوت أصبح أكثر كثافة و-الجامع- يتفرد لوحده) فوق الجميع. كتاج للمكان. في هذه اللحظة يتحتم على العباد تحديد مصيرهم هل سيتكاتفون بوصولوهم لهذه المرحلة ليألّف الله بين قلوبهم ويكونوا يد واحدة ويجمعهم الله في بيته فتحدث النهضة ويصعدون للقمّة أم سيختارون طُرقاً منحرفة ولكلٍ طريقة خاصة يقدسها فوق كل شيء؟ فيسقطون جميعاً ويخسرون الدنيا والدين.سأفترض أن خلوّ الشارع دلالة على أن الناس يجتمعون عند الله في بيته. ليغير ما بنفوسهم للأجمل ويجمعهم على قلبٍ واحد. نحو ازدهار حقيقي وليس سطحي.
الخلد

همَّام فؤاد
يحلو للمرأة الفلسطينية أن تُثبت نفسها بطرق فذّة عابرة للأفكار والمنطق، حتى تقول لنا أنها الأصل كانت وستظل، وستتآمر معها -كالعادة- كل القوى الخارقة.ما هو معتاد أن الشجرة متصلّبة في أرضها ومتمددة في فروعها والبشر مسألة متحركة غير ثابتة، لكن الشجر هنا وجد نفسه باهت متراقص يمكن لنسمة هواء أن تخلعه كأنه لم يكن؛ بينما المرأة بجبروتها ظهرت هي كشجرة يمتد عمرها لمئات السنين. فصار الشجر هو من يعتني بها ويرعاها ويميّز ظهورها وليس العكس.ولأن الطبيعة تحب أبناءها؛ فقد طاوعت المرأة وأهدتها سنسلة مناسبة لطولها ليقتنع المُشاهد ولا يظن لوهلة أنه تم خداعه، حتى تكون امتدادًا للحقيقة الأبدية أنها ابنتها وإن لم تكن ولدتها، كما تماهت مع قوامها وكأنما يرقصان.وتتمة لذلك، همست الأرض للمرأة قبل المشهد بيوم أن تلبس هذه المطرزات ليكتمل التشابه فتصدُق الحكاية.هل تكتفي المرأة بهذا القدر؟ لا. جعلت من صورة قديمة ثنائية الأبعاد عملاً فنّياً ثلاثي الأبعاد.الأعشاب في الأسفل تفتح أيديها لها لتعطيها أوراقاً تلاعبها، فالصغار دائماً يقتنعون بحيل الكبار. والعمود من خلفها يحكي عن أجيال علّمتها، فصنعت تطورات وإنجازات وحضارة، تليق بعظيم ما أنتجت من شباب وصبايا. والبيت في الخلفية هو الحكاية الأولى. حكاية العائلة؛ التي رسمتها باللحظات الحميمية وجعلتها بالكلمة الطيبة تُسقى.الحكاية تُحكى بالعكس مع المرأة دائماً. لتقول لنا بكل الطرق، التي اعتدناها والتي لم نعتدها، أنها كانت وستظل.. السّيدة. هل قال محمود درويش سيدة الأرض؟تفرض المرأة نفسها بمصطلح السيدة، والسيدة مصطلح من السيادة، والسيادة بمفهوم الدول منجز وطني لا يقبل الانحراف ولو على همسة.وحتى تحافظ على هذا المنجز كان أن ربّت أجيالها لحفظ هذا التزاوج من القداسة بينهما -هي والأرض-، تجلّى ذلك بالمصور نفسه، الذي صوّر هذه الرحلة العظيمة، فدون وعي منه، سكنّه فحذّرنه فمسك نفسه عن خطأ قاتل كان يمكن أن يحدث، ويدّمر الصورة/الدولة، بأن يَحرف الزاوية إلى اليسار قليلاً فيحجب إنثناءة السور ويمنع عنّا رؤية الزاوية الموجودة على اليمين، الزاوية التي على إثرها نشعر -بالّلا وعي- وكأن نفس الحديقة/الأرض غرفة ذات خصوصية؛ تنزل إليها المرأة سرّاً وتتغذى منها كل هذه المزايا وتغذي منها الأسرة فالمجتمع؛ فتجتمع الأركان في ظلّها، هذه الزاوية التي صورها درويش نفسه دون أن يدري بقصيدة "هذا البحر لي".تَصخب المعاني فيُعجب الأمر الأسوار فتستغل الحدث لتبلّغنا عن سوء فهم ظلّت محبوسة فيه في الأدب سنين طوال بأنها قيد أو حاجز أو فاصل، وتُفصح لنا بأنها يمكن أن تكون حميمية ودفئ. والبناء المشكول من طينة الأرض، يجاهر بصمت أنه هو من سيقف حارساً على الذاكرة والفكرة، مهما طغى البنيان الحديث على السيرة، الأولى.هذه صورة كاملة، ومصدر كمالها ملامح القِدم عليها.هذه صورة كاملة، وشكل كمالها نقصها من الحداثة المزيفة. صورة تُحفط في القلب لتكون ذكرى وطن.
شمس

همَّام فؤاد
لا يشغل بال أبو كريم ما سيحدث غداً، فهو يكرّس نفسه للَّحظة وما يترتب من برنامج اليوم. فلا حاجة لمن يعيش قوت يومه البسيط أن يعرف أخبار الدلافين في أستراليا ولا تفاصيل البورصة في لندن، فلا هذه سيتذكرها بعد سنوات ولا تلك ستخلد معه إلى قبره. وهو بطبعه سعيد بزوجته وابنه، وما يجمعهم من تفاصيل ساحرة، فكان الإختراع المسمى تلفاز ملقى على الأرض، بتوصيف بصري لمكانته الحقيقية، كأداة للمعرفة، ليست مقدسة بذاتها. تماها هذا مع النور القادم من الشباك، نور الله، إذ يضيئ المكان والتلفاز معاً. هو الأول وهو الآخر.لم يضله الله؛ فيضع التلفاز على الشباك؛ فيكون أعلى منه، ويصبح هو متلقٍ فاسد، من جهة، ومن جهة أخرى يحجب عن البيت نور الله. ويصبح هو القول الأوحد. بل كان موازياً له، إن لم يكن أدنى منه درجة، فهو يجلس تربيع على رجليه وأمامه التلفاز بشكل موارب، ويكون في اليد اليسرى حاملاً صحن كوب الشاي وفي اليمين حاملاً كوب الشاي يشرب منه، ويحرص عندما يشرب على أن يركز في الكوب لا في التلفاز حتى يشرب بعمق، وهكذا يشاهد ويفكر معاً. ثم يعطي أحكامه. من هذه البقعة البسيطة من العالم. ومن يدري؛ ربما سمعه ابنه كريم والتقط آراء والده وصار يبني عليها. وغداً يكن هو من في التلفاز. فيصلح حاله.لتتكامل القوة ويتكامل الموقف.عندما ينزل أبو كريم ليوقد ناره أو لتطبخ زوجه ما يطيب لهذا اليوم فهو يبقي التلفاز مغلقاً؛ فلا تنتشر أقاويل غير موثوقة منه في البيت وتعلَق بالجدران فتحتل البيت دون إذنه، فهو يحرص على أن يكون بيته نقي من أي خوارج وانبعاثات لا تشبه حياته حتى لو كانت من محتل (شيء) لا يحمل أسلحة كالتفاز.وإذا ما عاد للأعلى، تأكد عندما يضع الأكل على الأرض مع زوجه وابنه أن التلفاز وجهه للحائط وسلكه معلّق، كصبي معاقب على خطأ ما؛ فلا يجوز أن يأكل معهم ولا أن يشغَل عقولهم بصور وأصوات ليست منهم. ليكن بذلك طعامهم مباركاً؛ فالأكل الضار هو أول خطيئة أسقطت الإنسان من الجنة.من هو أسعد من أبو كريم بشمس تشرق من الشرق؛ تسلّط ضوءها على مصدر معرفة يبارَك بقوانين إلهية لا تخطئ مُرادها؟
مجاهد

همَّام فؤاد
يحب الله إذا أحبه عبده وصدقه؛ أن يرزقه ما في قلبه، والشهيد عزام الأقرع، بما عرفنا عنه هو ورفاقه وأبرزهم الشهيد القائد الشيخ صالح العاروري. رأى الله ما في قلبه فعكسه في محيطه.عُرف عن الجبل جبروته وصموده في وجه كل القوى الممكنة، ومن يجلس عليه أو يقف فوقه يظهر كحجر صغير من الأحجار المتراكمة فوقه. غير أن للشهيد عند ربه علامات، مما علِم الله عنه من صدق، فظهرت البيوت كأنها ألعاب صغيرة منثورة على الأرض، تكاد لا تُرى، في تشبيه بصري لكونها لا تشكل شيئاً عند الصادق المجاهد الذي صدق ربه فصدقه.ظهر الجبل، بل يكاد أن يظهر الجبل، وهو الجبار في مظهره ومشهده، باهتاً صغيراً بوجود الصادق المجاهد فوقه، لتتجلى الآية الكريمة (وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ)، فتجاوز إنسان بسيط بمظهره جبل عملاق وبدا هو العملاق. هذا فضل الله على عباده الصادقين المجاهدين.قالوا أن الحياة تحت أرجل من صدق الله، وهنا ترجم لنا الله ذلك حرفياً بوجود البيوت بما تمثله من دنيا زائلة ما تعنيه للصادق المجاهد في قلبه، تحت أرجله.تكرّست كل هذه التفاصيل مع وقفة الشهيد الصارمة العازمة الباسلة، وقفة الرجال، فالرجال تعرفهم من صلابة وقفتهم. وتمّم الأبيض، بياض الثلج الناصع؛ المشهد، ليخبرنا بصفاء قلب الصادق المجاهد. وأبى هذا البياض إلا أن يتخالط مع لون الأرض؛ ليحكي لنا أن الصفاء مجراه حب البلاد والإنتماء لها. قبلان فخورة اليوم، رغم الحزن الكبير.
الإشتباك الأخير

همَّام فؤاد
يبدو وجه العجوز كشخص تم استدعائه لمهمة مستعجلة لا تحتمل التأخير. وهو على غفلة من أمره لا يدري أهو خير أم هو شرّ. وبعد دقائق من الوصول، والحجة في لحظة تيه تتسائل ما الجديد في الأمر والمكان نفسه والعناصر نفسها، فما الذي استدعى كل هذه العجلة؛ رفعت يدها لتشيح بها على حفيدها الذي أتى بها، حتى تنهره عن مزاحه المعتاد؛ وفي اللحظة التي رفعت بها يدها للأعلى انتبهت أن لون ذراعها قد استقام أخيراً مع لون الشجرة. التفّت ونظرت للشجرة فارتشعت كل أركان جسدها من الداخل. وبحركة غير محسوبة مسكت الغصن وقبّلته، فهذه لحظة لا تحدث إلا مرة واحدة في العمر، ولأن الحفيد احتار في التمييز بين ذراع الجدة وبين غصن الزيتون؛ من شدّة تماهي اللّون، استغل لحظة إغماض عينيها المترتبة عن حالة الخشوع والتقط الصورة على غفلة حتى لا تشعر بالأمر -ليتدارس الحالة لاحقاً- فهي تكره التصوير لأنها تكره أن تظهر مشاعرها للناس فيعتقد مريض أنها تمثل هذه المشاعر وهي الحساسة ذات المشاعر الحقيقة النقية التي يمكن لها أن تبكي مقابل هذا الإتهام. وهي التي كانت كلّما أتى المصورون القدامى لقريتها وهي صبية طلبوا منها الابتسام للصورة، فصارت تعتقد أن الصورة ما هي إلّا اختراع جديد يعلّم الناس الكذب.همّ الحفيد بالذهاب لغرفته ليتعرف على الكنز الذي وقع بين يديه للتو، وغرفة الحفيد تبعد بضعة أمتار عن الشجرة؛ وهي غرفة خارجية منعزلة عن بقية المنزل صنعها له جده على الطراز الحديث (نسبياً) وقتها وجعلها لوحدها لِما وجد من خصوصية عند حفيده، وفيها مكتبه الذي يبعد مسافة ثلاثة أمتار من شباك الغرفة؛ الذي منه يظهر جزء من الشجرة، جلس على مكتبه الأبيض، السادة، أمام جهاز كمبيوتر. عندما يجلس يصبح على يمينه الشاشة وعلى يساره الشجرة. وجد الحفيد ذات مرة غرفته على هذا الترتيب ولم يغيره بعدها. فتح الحفيد الصورة على شاشته ليميّز التفاصيل، وسُعد بأنه بسبب خجل جدته من التصوير خرج له كلّ هذا الخشوع في عينيها في الصورة، فهذه اللحظة يدفع ثمنها المصور ملايين لممثلة لتؤديها له، بينما أتته هنا جاهزة على طبق من ذهب، دون تعب، فالصورة غير أنها سجّلت حالة نادرة الحدوث وهي في ذروتها، لحظة اندماج لون الإنسان مع لون الأرض ونباته، كدلالة على تمام وفاءه، كانت له هذه النقطة الإضافية من الناحية البصرية، الخشوع.رتّب أموره ليعرض الصورة، على أن يجلب معه جدّته لاحقاً، لترى نفسها وهي عنصر بين مجموعة من عناصر تشكل معالم مكان كبير يحتضن ملامح عن حياتنا في العصر الحديث؛ على أن هذا شيء ملفت وغير عادي! وحرص على تغليف الصورة بشكل مثالي حتى لا تتأثر من تردي الطريق المؤدي للمدينة، المدينة التي ظاهرياً بها كل شيء لكنّ اندماجها بالحداثة جعلها تبحث عن كل متصل بالتراث لسد الحاجة؛ عبر معرض ضخم، يظن الحفيد أن جدته ستهيم به، وستتغنى بصورتها فيه.لطالما أراد أن يكون جزءاً فاعلاً من المعرض لكونه يغلب على روّاده نمطاً معيناً من اللّباس لا تراه إلّا في شوارع محددة في بعض المدن ذات التوجه المجتمعي الضيّق، وهؤلاء يحبون أن يدفعوا أمولاً طائلة على أشياء لا يفهمونها عادة لكن تروق لهم فكرة اقتنائها، شيء من المحاربة للبقاء لشعور بداخلهم عن قرب الفناء. وهذا غالباً لنمط الحياة الذي اختاروه والمعاكس تماماً من جدة هذا الحفيد التي وجدت نفسها تربّي تسعة أبناء. يظن الحفيد أن هذه الزيارة ستكون مصدر سعادة لجدته.غير أنّ طريق الجدات القدامى في السعادة غير طريق الحفيد، فهو يبحث عن الأضواء وهنّ يبحثن عن الإنتماء. والإنتماء يخلقه الشقاء. عندها.سمع صوت الباب وهو يُطرق، كانت أمّه تقف عند الباب في حالة صمت.احتار وهو اليافع الذي لم يعتد هذا النوع من ردود الفعل الصامتة؛ لحق بخطوات أمّه فوجد جدّته مسجّاة على الأرض، انتقل ببصره بين ذراع جدّته وشجرة الزيتون ليكتشف أنّ ما التقطته كاميراته قبل يومين كان الاشتباك الأخير. كانت لحظة الوداع المبطّنة التي لم يعلم عنها سوى أصحابها، -الجدة والشجرة-، بما شعروا خلال العناق. حينها فهم لماذا عندما أنزلت جدّته يدها عن الغصن نزلا -يدها والغصن- بهدوء شديد كأن يداً عليا تحكمت بوداعهما وصنعت لهذا الوداع مشهداً حسّياً.رأى حينها لأول مرة كيف يكون العناق قبل الفراق.رَوَتْ له لغة الأشياء؛ كيف يكون الاشتباك، اشتباك عنصرين صعدت تفاصيلهما معاً فلم يعد بالإمكان تخلّص أحدهما من الآخر. اشتباك من مَهَرتْ حياتها للشجرة التي ستكون رزقه ودلاله وبهجته في المستقبل؛ -فأعطتها بالمقابل هذه الشجرة يوماً بعد يوم شهادة بصرية متراكمة بإصباغ لونها على ذراعها، حتى لا يأتي جاحد وينكر صنيعها مستقبلاً-؛ مع أوراق الشجرة وأغصانها، بطبيعتها وتدرجات لونها وتسبيحها، والتي سيحين بعد قليل موعد تقطيعها عن أمّها ليبدأ الجيل الجديد من أفرعها. ويسبق الجيل الحالي هذا الجيل للتنعم برؤية الخالق والمدبر.نظر إلى ذراعه، وأصيب بصعقة بداخله، قد كبرُ للتو وفهم أن لكل جيل من البشر جيل من الزيتون وأنه غالباً حان الآن دوره هو. ربّما لن تتشبع يده بلون الغصن، لكنه بعد هذه اللحظة المأساوية حتماً سيتشبّع شيء ما فيه؛ تفاصيل وفكرة هذه الزيتونة الجليلة.نزل إلى جسد جدّته قبل دفنها، قبّل يدها، شمّ عن غير إرادة رائحة الزيتون ونكهته في ذراعها، عاد لغرفته، تناول الكاميرا، وجلس، ثم نظر إلى شجرة الزيتون وهي تظهر من الشباك عن بعد ويده على الكاميرا.
كمال

همَّام فؤاد
يمكن للإنسان أن يظن تجاه مدرسته ما شاء، أنها أطول مدة سجن في العالم، أو أنها أجمل فترة في عمره، أو أنها مضيعة للوقت أهدر بها 12 سنة من حياته فيما لا يجدي نفعاً.غير أن صورة واحدة تمر في ذاكرته تؤكد له أنها كانت شباكاً كبيراً بين ماض غير مركب ومستقبل هو فيه الآن شديد التركيب، يهرب من هذا الشباك خلسة إلى هذا الماضي لينعم ببعض الراحة الغير موصوفة. والتي عادة لا يخبر أحداً عنها إلا في المناسبات النادرة.وهذا الشباك ليس هو ذاته الذي يظهر في الصورة هنا، بل هو ذلك الخط المرئي على الجدار بين لونين واضحين في الفرق، فسابقاً لم يكونوا يرسموا الحدود عبثاً، بل كانت لهذه الحدود مآلات نفسية في المجتمع تجاوزها يعني هدمه.جعلت هذه الحدود على الجدار للأستاذ مركزية تعكس ما يميّزه كعالم ومربي عن الطلاب، هو وحده يخرق الحد العلوي وكأنه في مكانين، الأول ما عليه من معرفة تجعل منه متفرّداً. والثاني ينزل فيه إلى الطلاب على صغرهم ليربي فيهم الفكرة والخُلق فيستوعبوا عليه، فإذا ما أقنعهم بأكبر الحدود ثقلاً عليهم تقبَّلوا الفكرة ليس لأنهم فهموها على صغرهم بل لأنها وصلتهم على مستوى من برائتهم وفطرتهم. فإذا ما التفت أحدهم له ووجد أستاذه بطوله وجلاله أدنى منه درجة وهو يجلس على ركبتيه هانت عليه المعلومة، حينها تدرك فجأة أنها لم تكن غرفة للتدريس با كان معبداً يتشاركون فيه نفس النية السامية، تناقل المعرفة وتطويرها، إدراك الأخلاق وفهم أهميتها، فالحد كما ميَّز الأستاذ لإجلال ما لديه من معرفة، القيمة تميّزت في نفسه فجلس للطالب (تحت هذا الحد).هذا الإرتداد الموسيقي في تحرك الأستاذ، بين الحدين، ساعة فوق الخط وساعة تحته، بحِرفية شديدة، ليس فقط لدواع الأخلاق السامية، (هذه الأخلاق، التي كلَّما مرّ الطالب نحو الفرق بين اللونين فهم -نفسياً- أن ما فوق الحد للأستاذ فقط، والأستاذ هنا ليس بوصفه الشخصي؛ بل بما يمثله من مربي سيخرج الشاب من صفه مستوعباً ما له وما عليه كشخص جزء من مجتمع وليس شاذاً عنه متجاهلاً لحدوده)، بل لأنه يدرك أن كلّ الكائنات فانية، فغداً، سيتبدل الحال، ويصبح هذا الأستاذ مع تقدم العمر أقلّ علماً، ويحلّ مكانه أحد هؤلاء الطلاب، فيوجّه جيلاً آخراً لنفس المنهج وإن بتفاصيل مختلفة، ومن يدرِ، ربّما يتفوق على أستاذه في طريقة التدريس. ومن يدرِ، ربما كان حينها أحد طلابه حفيد هذا المدرس، فيحسن إليه بقدر ما أحسن إليه هو وأكثر.والأستاذ، عند هذه المرحلة لن يخاف أبداً تبدل الحال، لأنه يعرف أن ما زرعه في نفوس الطلاب كان بذوراً سخية سيحصد منها ثماراً جمّة غير عادية، فهو في اللّحظة التي علَّم هذا الشاب معلومة حرص على أن تصحبها الفكرة التربوية التي تجعل منه متواضعاً لغيره على ما عنده.ومن تربيته له؛ أنه سيجده غداً، على ما وصل إليه من مراتب في علمه وعمله، ينزل من مركبته الفارهة إذا ما لمَح تجمعاً لذلك الجيل، فيخصّ الأستاذ من بين الجميع ويسلَّم عليه والسعادة تملأ وجنتيه وهو بين أبناء جيله من الآباء، وبعد أن يسلِّم عليهم جميعاً يقول لهم بفخر؛ هذا الرجل علّمني. حينها سيدرك الأستاذ أن ذلك التعب في التعليم وتلك اللحظات من التواضع في زرع الفكرة كانا في مكانهما.يترك الشاب سيارته الفارهة ويبقى جالساً بين الكبار، تنعكس أشعة الشمس على حوّاف السيارة المثنية التي لا تحوي حدوداً في هذا الزمان، كأنها في جلسة تصوير لإعلان.ينتبه الأستاذ للشعاع المسائي الباهت عليها، ويتذكر شعاعاً صباحيَّاً آخراً رأه في مكانٍ آخر في زمان آخر، كان شعاع الشمس نفسها لا انعكاسه، في الغرفة التي اجتمعوا فيها، يختلط عليه الأمر وهم في مكان عام، فلا يتذكرها كمكان للتدريس، بل ساحة رحبة لها حوافاً خضراء يانعة، قدم فيها أشكالاً من الحب، ينال الجميع منه قطعة بالقدر الذي يقدم فيه قطعة.ومع نظرات الأستاذ للطالب وما وصل له؛ يتذكر الطالب أحبال الزينة التي كلَّما دخل الغرفة وجدها أمامه فكانت أول شيء ينظر له قبل أن يلتف نحو لوح التدريس، وكيف كان ينقم عليها، إذ كانت تُعلَّق له كخدعة ضمن حدود المقدور عليه من الأستاذ ليُنسي الطلاب أنهم في ساعة ثقيلة، رغم ذلك، كان طيش الطالب يلّح عليه بأنه أسير، يتذكر هذه الأحاسيس الطالب ثم ينظر لأستاذه بوقار شديد شاكراً جهده الذي بذله على قدر المستطاع ليزين له المعلومة وينسِه صلابة اللحظة.لا تتوقف معالم الإحترام التي ترسلها الصورة عن ذلك الزمان هنا.. فالشباك (الحقيقي هذه المرّة)، ترك لنا بوحاً استثنائياً في الخلفية؛ فيما يبدو أنَّ الشمس أعطت أوامر عاجلة لدفة الشباك أن تفتح لها الطريق للدخول للغرفة، فأضاءت على الأستاذ لتنصفه حقّه وقد اختار أن يقف في نهاية الصّف ويقدم طلّابه عليه، فيما وجلت ذراعيه بهذه الوضعية الجليلة احتراماً للعنصر الغائب عن الصورة؛ وتضاعف المشهد مع الارتياح القائم في وجوه وأذرع الطلاب، ونظرتهم جميعاً دون استثناء نحو زاوية محددة، بلَّغونا أنهم كلهم، في حالة استقبال لشخصية مرموقة، هل كان مدير المدرسة؟صورة للذاكرة؛ تقنياً وفنّياً واجتماعياً.
ملاحظة

همَّام فؤاد
إذا خانتك الملاحظة واعتقدت للحظة أن إبريز الكهرباء في الخلفية هو إيموجي يشعر بالذهول من مما يحدث فأنت لم تخطئ في شيء.فمشاهدة عمود الميزان ودفته اليسرى في ميل شديد نحو الفراغ، رغم أن الميزان بطبعه يميل نحو الثقل وليس الفراغ، وبالتالي المنطق أن تميل الجهة التي فيها يد الأم للأسفل ومعها عمود الميزان لا التي فارغة فاعلم أن ما يحدث معاكس لكلّ ما هو منطق.وهل يجتمع المنطق والأم معاً؟ترى عمود الميزان وذروته (رأس الأم)، ومعه يدها (اليمنى)، هنا في تمثيل لواقع معمق بأفعال غير مرئية. واقع معكوس، كلّما زاد الثقل فيه خفّ الوزن، فالأوزان في علم الأمومة، لا تثقل في جسدها، بل تخف، يخف الجسد أو عنصر منه مع كل تعب، دمعة، مآثرة، ويزيد وزنه في العالم الموازي في الآخرة. فيصبح الفراغ ثقيلاً بانعدام الأمومة، ويصبح جسدها خفيفاً لذهابه جزءاً جزءاً للجنة ويبقى منظراً فقط نشاهده أمامنا ولا نعلم بالمعارك الخفية التي بداخله.والجنة، التي هو في طريقه لها شيء لا يتمثله شيء، غير أن الصورة -التي هي بالأساس أخرجها ربّها (بديع السموات والأرض)، تدخّلت، وأبرزت لنا لقطة حصرية من الجنة عبر الشجرة التي بالأعلى تحني على رأس الأم، تستظل بها وتنظر وجه ربّها الذي ما خان وعده، في لحظة مجازية كونية، والمجاز هنا حقيقة.والحقيقة -التي يدّعون أن لها أوجه مختلفة-، في علم الأمومة وجهها تفاصيله حادة لا تكذب. بل تصرخ وإن دون صوت؛ مثل ذلك الحلم الشرير في المنام وأنتَ تصرخ في صحراء قاحلة دون أن يخرج صوتك.كيف؟يسمع الجيران صدى صوت الباب وهو يرتطم بالجدار من قوة إغلاقه بعد دخولك المنزل، تدخل غرفتك غاضباً من لحظة ساءتك فأفسدت يومك بالكامل، فتنبهر بمنظر لم يخطر على بال بشر، كأنك لأوّل مرة تعرف غرفتك، كلّ شيء في مكانه الدقيق مرتب بطريقة لم تخطر على بال فوتوشوب نفسه؛ تصاب بذهول كيف اتّسعت غرفتك لكل العناصر التي كانت تملأ الجدران والسرير والمكتب والأرض وأنت لم تكن تجد مكان تمش فيه في الغرفة من شدّة الفوضى العارمة، بطريقة يصعب تفسيرها غير أن يد الأم يد إلهية، ولأنها كذلك، ولست وحدك من يقدّر صنيعها، بل غيرك يشهده لحظة بلحظة، إن كنتَ أنتَ تقدّره عابراً وغير معبّراً، فعباد الله ليسوا بشراً فقط، والحديد، هنا، ذو القوة والصلابة والمبتسبب بالأذى أحياناً، رقّ قلبه للأم، فلم تستطع قضبانه رؤية رأسها يميل دون أن تسنده خشية وقوعها. مع أنها لن تقع. لكنه آثر وفعل. لأنه استشعر أن وقوع الميزان وقوع للعدل، وإن وقع العدل تبخّر المنطق.والمنطق إن ذهب ذهب كلّ شيء. نسيت أننا في علم الأمومة وعلم الأمومة ليس فيه منطق.لذا، نهرب من علمها بعين ابنها لعلومها بعين ابنتها. فهناك مساحة للتعقيد والتعقيد عدو المنطق.ما هو أكيد أن المشاهد، رغم كلّ هذا، قد خانته الملاحظة مرّة أخرى واعتقد أن الحديد تواجده هنا صدفة عابرة، لكن لو تعمّق في الفهم قليلاً لعرف أن الأشياء تُعرَّف بأضادها، فلم يكن لله أن يلمّح لليونة الأم وتعاملها مع كلّ الظروف ورضوخ الكون لها إلّا بالحديد وصلابته؛ أن يتواجد هنا تحديداً في هذه اللحظة فيسندها، وهو الذي عندما يتواجد في مكان يخرق الأجسام، فماذا بقي بعد أن يلين الحديد؟والباب، المسكين، لا يتوقف أن يكون ضحيّة لغضب البشر، وهو، صحيح عنصر مشترك بين انفعال الذكر والأنثى في تفاعلهم مع يومياتهم الحزينة، غير أنه ليس الذكر كالأنثى، كما قال الله في القرآن، وعلى قياس هذا الكلام -نفسياً- فالذكر المسكين يبوح بكل ما عنده بلحظة غضب، وينفّس عن نفسه ليمر إلى اليوم التالي، أمّا الأنثى، بما وصفها عزيز مصر (إنّ كيدهن عظيم)، فلا نظرة في عينها ولا نغمة في صوتها تفهم منهم ما بها، وهذا يسجّل تراكمات عندها لا يحلّها سوى ربّها، لذا كانت من هي على بركة من خالقها، الأم. فتدخل البيت -الفتاة-، يحتار الجميع سويعات وسويعات في أمرها؛ تأتِ الأم، ببسمة، نظرة، حركة يد، ما وراءها ليس ما يظهر منها، تقرّ الأنثى بكلّ شيء.سيخيل للقارئ أن النص يبالغ بربط أوصاف الله وصفات الجنة بصورة عابرة، إذ لا الله جلّ في علاه وضع عناصر الصورة بصفة موضوعية ظاهرة، ولا الجنّة هذا بنيانها، والحق أن الله ينسج عن بُعد ملامح مشهد فنقول سبحان الله رغم أننا لم نراه يفعل، والحق، أن رجلاً صالحاً يقع فيحجر عليه حائط من مصيبة كبيرة فنقول سبحان الله، والواقع أن الشجر والحجر، الذين يقاتلون مع المؤمنين في المعارك المصيرية التي تقرر شأن الدول، أولى بهم أن يكون دورهم الشهادة على ما صنع العبد في المعارك البطيئة -التي هي أصلاً ما يؤسّس للمعارك المصيرية- وما الشيء الذي شهد صنيع الأم غير تفاصيل البيت وزواياه؟ولأن اليمين هو صبغة الجنّة وأهلها، فالفراغ صارَ ثِقَلاً ونزل نحو اليمين، (في عين المتفرج)، ليدوي صدى وجوده شاهداً لها أمامه أنَّه حتى من فقدَ أمّ فقد شعر بجوهر ضرورتها، وعلى هذا تكون على الحالين من أهل الجنة. لمجرد أنها صَبحت ذات لحظة أمّ.مالت كفّة الميزان نحو الفراغ لتُظهر ثِقَل انعدام الأمومة، وسبَبَ ميلها ارتفاع يد الأم للأعلى لثِقَل الأعمال الصالحة فيها.هل ما زلت تلوم على إبريز الكهرباء أنه في حالة ذهول؟نصيحة: لا تنخدع بأشعة الشمس القادمة في الخلف، فهي تحاول سرقة الضوء من الأم بما قدّمت وضحّت وفعلَت.اللافت؛ إن عدنا لأرض الواقع -بعيداً عن الفلسفة- أن الصورة تعطي انطباعاً وكأن الأم أسيرة تطل من سجن، ورغم ذلك الابتسامة العريضة لا تفارقها؛ وحتى العناصر المحيطة بها، تُضَيِّق عليها المساحة مع ذلك هي في حالة بهجة. وهي، تنظر ابنها الذي يغادر لقوت يومه أو لزوجه، مع ذلك وكأن عرساً يُذاع. والجواب، أنه، عند الأم، الضيق بوجود أبنائها اتّساع.
عماد

همَّام فؤاد
سيصعب على كلّ مفردات اللغة أن تحتال على المتلقّي بأن توهمه أن العصا التي في يد الرجل على يسار الصورة هي عصا موسيقار محترف وأن هذه الحمير آلات موسيقة مخملية ومن عليها عازفون يتبعونه وأن الرجل موسيقي مرموق قلّ أمثاله وندرت معزوفاته. غير أن الجميع يستمتع بها وينكر ذلك وربما يتعامل القارئ مع النص كقطعة من الخيال العلمي.ومع وجود الذكاء الصناعي هذه الأيام سيقاتل أحدهم ليثبت أنَّ هذه الجبال بتفاصيلها الدقيقة مرسومة على ChatGPT أصلاً.لكن الواقع له أقواله الأخرى التي ستجعل القارئ يهدأ ويعترف بالحقيقة المرّة ويردّ لهذا الرّجل حقّه كفنان استثنائي.بذوقه الرّفيع، جعل هذا الإنسان من بيته مملكة خاصة، مجرد الجلوس بين جدرانها يجعلك تتفكر تلقائياً في مناحي الحياة ككل وألّا تنحصر في قرارات أحادية البعد روتينية الملامح، وهو بطبعه لا يستحسن المزاج الإعتيادي الموجود عند الناس، ولديه طريقة خاصة في التعامل مع الحياة تتطلب منه القيام في بعض اللحظات بخطوات تعتريها المخاطرة، مهما كلّف ذلك من ثمن.كعادته، يبدأ عماد يومه بوضع التبن لحماره حتى قبل أن يصبّح على زوجه، وهي، على ما يبعث هذا من ضيق في نفسها لكنها تمرِّره على مضض لأنها تحب منظر وجه زوجها وهو يعمل وينتج. وكعادتها؛ تجاوزت الأمر بحنكة عالية.توجّهت للمطبخ، أزالت بقايا الطعام عن الطاولة ورفعت سلة القمامة وأنزلتها بها. من جهته، أنهى عماد تعبئة دلو الماء ليسقي به بعض نبتات النعنع التي لا يصلها الرَّي، ومع أنها قليلة، بالكاد تعبئ ضُمَّة واحدة، لكنه يعلم أن هناك رجلاً وصل بيته آخر النهار ويشتهي كوب شاي بالنعناع من يد زوجته حبيبته؛ وهذه الضُّمة يمكن أن تكون آخر ضُمة متواجدة في الدكان لهذا اليوم. فيحرص عليها حرصاً شديداً.حرصه لا يتوقّف هنا، -وهو كموسيقي بارع- لا يقف حرصه على الورق الظاهر، بل يمتد إلى التدقيق بين الورقة وظهرها، فإذا ما وجد علّة في ورقة يمكن أن تسبب نشاز، سارع إلى إزالة الورقة، وبهذا يكون السطر بأكمله ملفت وجذاب ولا إخلال فيه. غير أنّ لدى عماد قليل من الفساد (لا تخبروا أحداً به)، فهو خلال عملية حرصه على سطور معزوفته الخالدة؛ يقتطع منها أفضلها إطلاقاً ويضعها في كيس صغير أنيق ثم يضمّها إلى صدره في الجيب الذي فوق القلب؛ ويعطيها لزوجته آخر الليل تستمع بها.رؤية عماد عن بُعد كيف ساعة يصرخ بعمّاله وفي الساعة الأخرى يُطعمهم بيده كأنه أم حنون، تجعله يظهر للحظة أنه رجل متناقض. لكنّ عماد مشكلته في الحياة أنه مهووس بالألوان، -وهذا من الأسباب التي دفعته للعمل في الأرض- خصوصاً أنه من المتيمين باللون الأخضر. وهو، بهوسه هذا؛ عندما يرى لون؛ يبصر درجاته كلّها، فتراه معجباً باللون الأسود -لأنه رأى درجة منه لم يراها غيره-، وتراه، في اللحظة التالية، معجباً باللون الأبيض -لأنه رأى أيضاً درجة منه لم يراها غيره-، ثم تُفاجأ بأنَّ كلا الدرجتين كانتا سُلَّماً في الوصل بين اللونين.ولأن كلّ موسيقي في الدنيا يظلّ يعدّل على مقطوعته حتى تكتمل، فطلب عماد من ابنه (لا يظهر في الصور) أن يذهب ويحضر له مقص أعشاب حتى يقطع ما يحف الشجرات من أعشاب؛ لأنه يعلم أن هذه الأعشاب الضارة تأخذ من قوة الشجرة فتنهكها وتنهك الأرض معها فيحدث نشاز وتَفسد المقطوعة.وكما يتوقع القارئ؛ فإن الطفل سارَ مسرعاً، ما تسبّب بأن يتعثّر بحجر صغير بساقه اليُمنى، وحتى لا يقع على الأرض، رمى بساقه اليُسرى على حجر أكبر منه، ثم حجراً آخراً أكبرَ منهما؛ حتى صارَ يقفز بساقيه مفتوحتين بين الأحجار على أن يقع فيرى والده عليه غبار فيعرف أنه وقع، وهكذا، عزز معزوفة والده دون أن يدري. وهو يقفز على الأحجار بهذه الرشاقة. كأنه يعزف بين آلتين بعصا والده.وصل.يطرق الباب الولد -دقة قوية ينتج عنها صوت عال- (كعادة الأطفال)، فيصل الصوت هناك، -عند والده- فيصنع جسر بين فقرتي الأغنية.كان لعماد غاية أخرى من إرسال إبنه؛ ليس فقط إحضار قطعة ناقصة، بل إنه تعمّد أصلاً نسيانها، لكنه أراد أن يشارك إبنه في بناء هذا الجمال، فتعمد نسيانها ليطلب منه الإتيان بها فيشاركه صناعة هذه المتعة.بالوضع الطبيعي لهذه الأرض، فإن ما يمكن أن تجنيه من محصولها السنوي هو 5,000,000 مليون شيكل، لكنّ لوحة إعلانات ضخمة قد استأجر مكانها صاحب شركة إعلانات بمساحة ضخمة للغاية لأن تلك البقعة تُرى من كلّ زوايا البلدة قد قتلت جزءاً من الأرض يصل محصوله إلى 2,000,000 مليون شيكل ما جعل العائد فقط 3,000,000 مليون شيكل.هذه الأرض، وقعت خلافات شديدة بين مُلاكّها متراً بمتر، حتى انتهوا إلى تسوية تُرضي الجميع، فكان أن اختار صاحب هذا المربع منها تأجيره لغريب أراد استغلال تموضع هذه النقطة تحديداً من البلدة بلوحة الإعلانات تلك.كانت أماني، زوجة عماد، لأول مرة مرتابة، رغم أنه ذلك الصباح تحديداً صبّح عليها قبل أن يُلقي التبن للحمار. وغمزها على غير العادة، خرج زوجها ويدها على صدرها، ولا يقين مطلق لديها؛ غير أنها غير مرتاحة.حتى في صلاته لهذا اليوم، قد صلّى بعض النوافل رغم التزامه بالفروض فقط غالباً. وهذا ما جعلها تتشكك أكثر. ما الذي يجعل شخص عملي لهذه الدرجة، يضع ركعات الفرض ثم يترك المكان، بأن يتقرّب إلى ربّه لهذا اليوم ببعض النوافل.بدأ تدبيرها.. هل تنجح؟حذاء عماد بالعادة هو من نوع الأحذية الفاخرة (يدلل نفسه)؛ التي من صلابة أرضيتها -بما يتلائم مع طبيعة عمله في الأرض- تسمع صوت طنينها؛ لكنه في ذلك اليوم فضّل لبس حذاء مهترئ، لأن بواب الأرض، -والذي يشك عماد بأنه جاسوس لصاحبها- لديه غرفة على مدخل المكان وعماد لا يريده أن يسمع همير حذاءه فيعرف أنه وصل، فيفتح الشباك ويراقب.وأماني، لا تطيب لها الحياة دون أن تفرض وجودها؛ ولأنها وجدت نفسها في طبيعة زوجية فيها سيادة واضحة للرجل؛ فقد آثرت أن تجعل لنفسها بصمة في كلّ اتّجاه من المنزل؛ فلا تتم حركة فيه إلّا أن يحتاجوها زوجها وأولادها، كان عماد اختار يوم عطلة، يوم يكون فيه النّاس منشغلين برحلات النزهات وتنزوي الأعين، استغلّت أماني وجود ابنها في المنزل، وأخرجت كيس يحبه عماد جداً لكنها تحفيه دائماً، ووضعت فيه راديو صغير كانت أهدته له حتى يأخذه معه لعمله، لكنها أخفته فجأة عن الأنظار بعد زعل حدث بينهما. وصل ابنه في الكيس والراديو، فهم مباشرة عماد أنها تتغزل به وأنها شعرت بشيء ما وهذا سبب التغزل، حتى يتراجع، لكن هيهات، يوجد نقطة في دماغ عماد، إذا أضاءت، شياطين الأرض لن توقفه عن مراده.ألقى عماد وعمّاله بنظراتهم يُمنة ويُسرة للإطمئنان قبل أن يباشروا بمهمة يمكن أن تنهي حياتهم؛ (استغلوا أنّ صاحب اللوحة على سفر) وقاموا بخلعها.كان أهل البلدة بعدها بأيام متفاجئين من أن بلدهم لم يعد ينقصها في آخر كلّ أسبوع من الشهر لا خضار ولا فاكهة ولا وريقات خضراء تسرّ الناظرين على مائدة الطعام، فيضطروا لشرائها من الخارج. وبأضعاف سعرها المتعارف عليه، المدهش، أنّ أحداً منهم لم ينتبه أن معالم البلدة قد تغيّرت فجأة. أي بزوال لوحة الإعلانات.لم يهتم عماد عندما قالوا له أنّ الموسيقى حرام، واتهموها أنها من صنع الشيطان؛ فهو يعرف نفسه جيّداً ويتّقي ربّه كثيراً؛ وعندما يشعر تجاه شيء أنه خطأ يقتنع، وعندما لا يشعر لن يتمكن أحد من إقناعه، وعلى نفس المنطق؛ فهو لا يسمح لرأس المال أن يتدخل بالبناء الموسيقي لمعزوفته، لأنه أدرى منه بكيف يجب أن يكون الفن، فتجده لا يستجيب لأباطرة المال ذوي الفكر المحدود؛ الذين إذا التزموا فكرة تجارية لا يبرحوها. وهو ما راكم عنده تجربة في التعامل مع كلّ أصناف البشر، وصارَ لديه خبرة بالتعامل مع كل شخص كما يحبّ (أي الشخص).وعلى ذلك بنى نهجنه بالاقتراب من مكامن الخطر دون أن يفكر في ما يتلو ذلك من عقبات. يعلم جيّداً أين يذهب. ماذا يريد.على خجل شديد دخل العمال إلى صاحب الأرض التي خُلعت منها لوحة الإعلانات الضخمة، الذي، بالمناسبة، لم ينتبه هو الآخر لمعالم البلدة التي تغيّرت فجأة، لأنه يسلك طريقاً آخراً لا يمر من ضجيج البلدة.تعمّد عماد أن يختار أحد عمّاله الذين يحبّهم صاحب الأرض للمهمة؛ بهدوء شديد وروية أشدّ كأنّما يعزف على بيانو معزوفة آخر اللّيل؛ وضع العامل حقيبة فاخرة أمام الرجل على مكتبه، بدا كأنما يضع آخر نوتات في المقطوعة قبل ختمتها، أشار له عماد وهو يبلع ريقه ليفتحها، فوجئ بالمبلغ، كان ثلاثة أضعاف ما تجنيه لوحة الإعانات سنوياً.لم يتمالك الرّجل نفسه أمام رزم المال المتراكمة فوق بعضها، ففتح الخزنة، وأخرج منها ثلاث ساعات يد فاخرة، وسلّم كلّ منهم ساعة منها.لم يسألهم حتى كيف أتى هذا المال، لكنّ عماد أبلغه، سقطت كلماته عليه كصخرة ضخمة أنهت وجوده في المكان وحلّت مكانه، "إحنا شلنا اللوحة وهاي المصاري محصول الأرض من الزراعة". تشنج مكانه للحظة وسكت الكون كلّه. ثم ابتسم فجأة، كأن كرامته لم يمسّها شيء أبداً إطلاقاً. هزّ ذراعيه وهي تحتضن حقيبة المال المفتوحة بأنه لا يهتم بما حدث أمام هول الرزم التي بين يديه.وهم خارجين، رأوه يرقص من شقّ الباب.نزلوا درج مكتبه وأصوات أحذيتهم تختتم المعزوفة العظيمة.فلا تقنعني الآن أنّ هذا الرجل ليس مايسترو وأن من حوله ليسوا عازفين وأن، هذه الحمير، تسطّر أجمل معزوفة بحراثتها للأرض.غير أن غلاف مجموعتهم الموسيقية المنَتجة ليس بمادة مطبوعة وعليها صورهم على أنهم نجوم؛ بل خضار وفواكه يانعة سيأكلها شخص آخر تماماً يدّعي زوراً أنه هو الموسيقي.أرجو أن يكون قد تأكد للناظر الآن أنّ هذه الجبال ليست مرسومة على ChatGPT. وأنّ هؤلاء موسيقيين على طريقتهم، عزفهم تستشعره ولا تسمعه. تتذوقه ولا تحتفظ به. جرأتهم تلحظها ولا تراها. أنبياء الجَمال.
الأحفاد

همَّام فؤاد
يجلس الأحفاد باتجاه معاكس تماماً للطريق ولا يرون إلى أين يأخذهم الجد مع ذلك يشعرون بأمان.نصف المكان -الذي يظهر به الأحفاد- يبدو عليه الخضار والبهجة، والنصف الآخر -الذي يذهب إليه الجد- يبدو عليه أنه قاحل، مع ذلك يشعرون بسلام.بالنسبة لهم هو الجنة لا المكان.ورغم أن ما يجلسون عليه حديد لكن الأزرق أرسل لنا مشاعر الدفئ وأن نستمتع دون تفكير.كل هذا الجمال تكلل باسترسال الأطفال مع المصور وابتسامتهم له كأنه أخاً لهم وحضن.
إبراهيم النابلسي

همَّام فؤاد
مذهل التساوي الدقيق لرأس البارودة مع رأس المئذنة. مذهل التتالي المثير لرأس الأم وحجابها الأبيض مع قبة المسجد. مذهل كيف هذه الصورة مرآة لمضمونها ثقافياً ودينياً ووطنياً. رحم الله الشهيد إبراهيم النابلسي ورزقه الفردوس الأعلى.
جارة

همَّام فؤاد
لو أن الذي اخترع السيارة كانت له جارة مثل هذه الحجة لما أقدم على هذه الجريمة. فكيف يستبدل هذه الرقصة العفوية والمتمكنة في آن بحديدة لها أربعة عجلات، كيف يستبدل بيوت حميمية بديعة ببساطتها تحفّها جُملة من الحجّات ببيوت عصرية بائسة تحفها مجموعة من القطع الحديدية تقف على عجلات. كيف كان سيأتيه قلب أن يستبدل مظهر الحديد الفاتر بألوان عبائة هده الحجة (المستوردة من لون الأرض وليس من غربيّ أصم لا يفهم إلا لغة السباق المحموم نحو "آخر نسخة") كيف له أن يفهم أن مشية هذه الحجة عبارة عن نغمة موسيقية مؤلفة من قصص متراكمة على مر السنين وأن البيوت في محيطها آلات موسيقية صُنعت من قلب الوطن وبالتالي سيارته ستفسد هذه الملحمة الفنية بأصوات نشاز يضع الإنسان إصبعه في أذنه عند قدومها لأنها أخلّت بالسلم الموسيقي البديع.
أناقة

تصوير: واجد النوباني
همَّام فؤاد
تحب العجائز أن يفرضن أنفسهن ليس فقط بأناقة التواجد، ليس فقط برحابة القلب، ليس فقط بوجه منزوع من كل التفاصيل البشرية المتعادة إلا من الابتسامة النقية. بل بالتآمر مع المكان والطبيعة ليظهر وكأنهن من صنعن كلّ شيء (وهن كذلك)، وهنا اخترن أن يبدأ طرف الجبل اليسار من أسفله برأس إحداهن؛ وطرف الجبل اليمين من أعلاه برأس الأخرى، فيظهر المشهد كأنهن رسامتّان أنجزتا لوحة فنية فائقة دون أدنى جهد يذكر.وكأنهن بهذا التدقيق، إحداهن عند رأس الجبل والأخرى عند أسفله، عبارة عن امرأتان ساحرتان يمسكن حبلين في كلتا اليدين ويغربلنهن أعلى وأسفل برقصة رشيقة متناغمة فيخرج هذا المجتمع الذي يسكن الجبل.يبدو والله أعلم أنه ثبت شرعاً أنّ النساء تتحدث مع الأماكن ولهن لغة خاصة يحدثنها بها.
فراغ

همَّام فؤاد
يحسبه البعض فراغاً، لكن أهل المكان تركوا فيه حناناً فائضاً، فما اسطاعوا بغيابهم ترك الغرفة مغلقة وفيها هذا الكم من المشاعر. حتى ينثروا أثر هذا الأب في كلّ مكان، ليحظى صاحب نصيب بشيء من هذه الجِنان، فلا يسجل عليهم كتابهم بأنهم لم ينفقوا مما يرزقون. فسيتقبل هذا الوالد برحيله أجمل المنن من أصابع الرحمن. فيما تبدو جهتي الباب وكأنها أذرع هذا الأب الخفية وهي توزع هذا الحنان. والأحجار على الجدار، يظهر للمشاهد أنها عدم إتقان في البناء، بينما هي بهجتها وهي تتراقص من هذا الكم من الإحساس الذي وزّعه هذا الرجل بلا انتظام.هل انتبه أحد للضوء الخارجي في الأعلى؟ هذا هو حال الأشياء المصنّعة في حضرة الأشياء الأصلية.هل انتبه أحد للكلام العبري؟ هذا هو حال ما هو طارئ في حضرة ما هو قائم، يختبئ خجلاً.
